محمد الريشهري

65

موسوعة العقائد الإسلامية

من جهة ، وكانوا جائرين إلى أبعد الحدود من جهةٍ أخرى - بتحريف مفهوم العدل الإلهي لتبرير مظالمهم . وتظهر الدراسات التاريخية أنهّم من خلال مخطّطٍ خبيثٍ ومدروس كان قد وضعه عدد من أشباه العلماء ، طرحوا مسألة القضاء والقدر الإلهيّين ، وبذلك سعوا لتصوير أنّ كلّ ما يحدث في العالم - ومنه حكمهم الظالم - إنّما يقع بتقدير اللَّه ورضاه . وعلى هذا الأساس ، فإنّ على الناس أن يرضوا بحكم الظالمين ! وتفادياً للشبهة الّتي تقول إنّ مثل هذا القضاء والقدر والجبر يستلزم الظلم ، أنكروا الحُسن والقبح العقليين ، وقالوا : إنّ كلّ ما يفعله اللَّه هو عين العدل ، بناءً على ذلك ، فإنّ حكومة الظلمة وممارسات الخلفاء الجائرة باعتبارها في قضاء اللَّه وقدره فهي من العدل ولا يحقّ لأحدٍ الاعتراض عليها . وهذا التفسير للعدل الإلهي هو في الحقيقة نفي للعدل الإلهي ؛ ذلك لأنّه ينظر إلى الأعمال الّتي هي ظلم من منظار العقل بعين العدل . « 1 » وهنا يتّضح الترابط الوثيق بين العدل الإلهي والمسائل التالية : القضاء والقدر ، الجبر والاختيار ، الحسن والقبح العقليين ، والسعادة والشقاء ، كما يتّضح كيفية استغلال هذه المسائل الكلامية سياسياً في التاريخ الإسلامي . يقول الأستاذ الشهيد المطهري رضي الله عنه في هذا المجال : يُظهر التاريخ أنّ مسألة القضاء والقدر كانت في عهد بني اميّة مستمسكاً قاطعاً ودامغاً للحكّام الامويّين ، فقد كانوا يؤيّدون بشدّة مذهب الجبر ، وكانوا يقتلون أنصار الاختيار والحرّية ؛ باعتبارهم يعارضون عقيدة دينية ، أو يلقونهم في السجن ، حتّى اشتهر هذا القول : الجبر والتشبيه امويّان ، والعدل والتوحيد علويّان .

--> ( 1 ) . راجع : العدل في الرؤية التوحيدية للوجود : ( القسم الثاني : العدل الإلهي في التاريخ الإسلامي ) .